الشيخ محمد رشيد رضا

424

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً 28 لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) فكيف أمر رسوله ان يتنصل في هذه الآية من ادعاء علم الغيب ، وأن يستدل على ذلك بعد نفي التصرف بقوله في أواخر الأعراف ( 7 : 188 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ؟ نقول ( أولا ) ان ما يظهر اللّه تعالى عليه الرسل هو من الغيب الإضافي لا الحقيقي المطلق الذي لم يؤت أحدا من خلقه الاستعداد لعلمه ، و ( ثانيا ) إن اظهاره تعالى إياهم على شيء خاص من هذا الغيب لا يجعل ذلك داخلا في علومهم الكسبية فان الوحي ضرب من العلم الضروري يجده النبي في نفسه عندما يظهره اللّه تعالى عليه فإذا حبس عنه لم يكن له قدرة ولا وسيلة كسبية اليه كما يعلم مما ورد في فترات الوحي وهو مقتضى الاجماع على أن النبوة غير مكتسبة . نعم قد كان يكون توجه قلب الرسول إلى اللّه تعالى عند بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي استشرف له وتوجه إلى اللّه تعالى ليبينه له كما يرشد اليه قوله تعالى ( 2 : 143 قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) الخ وكذلك رؤية نبينا ( ص ) للملك على هيئته التي خلقه اللّه عليها مرتين ، هي خصوصية لا يعد مثلها من علوم الرسل الكسبية . وأما رؤية الملك متمثلا بصورة بشر أو جسم آخر فهو سبب عام لرؤيته ، ولكنه لا يتمثل الا لأمر عظيم ، أو آية لنبي أو صديق فعلم مما قررناه ان الرسل عليهم الصلاة والسّلام لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية ، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك اللّه وهي ما لم يمكن البشر من أسبابه فيكون من اعمالهم الكسبية ، ولا أعطاهم إياه أيضا على سبيل الخصوصية ، كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة . ونفي ادعاء الرسول لكل من الامرين يتضمن التبرؤ من ادعاء لالهية - كما قيل - أو ادعاء شيء من صفات الإله - وهو أولى ويستلزم الأول - لان كلا منهما خاص بالاله الذي هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم ، وقدرته وعلمه صفتان ذاتيتان